منير سلطان

114

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

هي الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والمبالغة وحسن البيان . ولا يرى الباقلاني رأى الرماني في أن البلاغة تصلح أن تكون وجها من وجوه الاعجاز ، لأن البديع ، يمكن الوقوع عليه والتعمل له ، ويدرك بالتعلم ، فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به ، وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغات ، فذلك هو الذي يدل على إعجازه ، وهذا الفارق - الذي يفصل رأى الباقلاني عن رأى الرماني - يشرحه الباقلاني قائلا « أننا إذا قلنا : ما وقع من التشبيه في القرآن معجز ، عرض علينا من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك ، وأنت ترى في شعر ابن المعتز من التشبيه الذي يشبه السحر ، وقد تتبّع في هذا ما لم يتتبّع غيره ، واتّفق له ما لم يتّفق لغيره من الشعراء . وكذلك كثير من وجوه البلاغة ، قد بينا أن تعلمها يمكن ، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منها دون غيره ، فإن كان أنما يعنى هذا القائل - يقصد الرماني - أنه « إذا أتى في كل معنى » يتفق في كلامه بالطبقة العالية ، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض ، وينتهى منه إلى متصرفاته ، على أتم البلاغة وأبرع البراعة ، فهذا مما لا نأباه ، بل نقول به ، إنما ننكر أن يقول قائل ، أن بعض هذه الوجوه بانفرادها ، قد حصل فيه الإعجاز ، من غير أن يقارنه بما يصل به من الكلام ، ويفضى إليه مثل ما يقول ، إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز ، وأن التشبيه معجز ، وأن التجنيس معجز ، والمطابقة بنفسها معجزة ، فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه ، فإن ادّعى إعجازها ، لألفاظها ونظمها وتأليفها ، فإني لا أدفع ذلك ، وأصححه ، ولكن لا أدعى إعجازها لموضوع التشبيه ، وصاحب المقالة التي حكيناها - أي الرماني - أضاف ذلك إلى موضع التشبيه ، وما قرن به من الوجوه « 1 » . وأخيرا ، لا يظن ظان أن في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، قدرا من الإعجاز ، إذ هو مثل كلام البلغاء ، والذي بينه وبين كلام الفصحاء ، كقدر ما بين شعر الشاعرين وكلام الخطيبين في الفصاحة وذلك مما لا يقع به الإعجاز « 2 » .

--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 275 و 276 . ( 2 ) نفس المصدر - 291 .